محمود توفيق محمد سعد

260

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وعبارة " عبد القاهر " هذه جدّ غنية بالدّلالات اللّطيفة والمدلولات النبيلة ، وقد أغراك وهداك إلى شيء من لطائفها ببيانه فيها بيانا أقامه على منهاج التوقيع النغمى المرنان . تأمل عبارته معزوفة على أوتار السجع والتوازن ورد الأعجاز على الصدور من جهة ، والتقابل من جهة أخرى ، ففي هذا إيماء إلى ما يحتويه " الحذف " من بدائع المعاني والمغانى « 1 » قد يكون من وراء حذف كلمة أو حرف . . . ما يدفق إلى قلبك فيضا من المعاني ، وإلى سمعك فيضا من المغانى ، والمتلقى البليغ في تلقيه ، والبديع في قراءة البيان مشغوف بمعانى الكلام شغفه بمعانه ، ولا سيما بيان الوحي المعجز الكريم ، فإنّ من مغانيه غيثا من معانيه ولا يتسع المقام هنا لتفصيل صور من تأويل البقاعيّ أسلوب الحذف في القرآن الكريم ومدلولات ذلك الحذف ووجه دلالته عليها ، ولكن الذي يلفت نظر قارئ تفسيره عنايته بضرب من ضروب الحذف لا يعنى به كثير من المفسرين والبلاغيين ، وإن كان النظر إليه قديما قدم التفكير

--> ( 1 ) - وأنت إذ تنظر في كلمة " عبد القاهر " هذه التي يقدّم بها قوله في الحذف تجدها مغرية بالنظر في طريق دلالة الحذف على المعنى أي أنّه يغريك بأن تنظر في الحذف من جهة دلالته على معانيه ، وهذا هو المنهج الذي يقوم عليه ما يسميه البلاغيون علم البيان ، هو لا يغريك بالنظر في تركيب وتأليف صورة المعنى على منهاج الحذف بقدر ما يغريك بالنظر في طرائق دلالة هذه الصورة على المعنى ، وكأنّه يحرضك على أن ترابط مجاهدا في ثغرة قلّ فيها المرابطون : ثغرة تأويل وتدبر طرائق دلالة صورة المعنى عليه والحقّ أنّا مستهترون بتأمل طرائق تأليف وتركيب صور المعاني ، أكثر من عنايتنا بتأمل وتدبّر طرائق دلالة تلك الصور على معانيها . وأنت إذ تنظر في بيان عبد القاهر معنى الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان وما شاكل ذلك تجده قد جعل أصل خصال هذه الحقيقة حسن الدلالة وتمامها ، والنّظر في حسن الدلالة نظر في منهاج علم البيان عند المتأخرين . وأنت إذ تنظر في بيان " الرمانيّ من قبله معنى البلاغة في كتابه ( النكت ) تجده جاعلا أصل حقيقتها من حسن دلالتها إذ يقول : البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ . أرأيت إلى قوله ( إيصال المعنى إلى القلب ) أليس هذا حديثا في الدلالة وليس في الدال أو المدلول ؟ أليس اسم البلاغة مشتقا من الإبلاغ الذي هو الإيصال الذي هو الدلالة . . . ؟